ابن رشد
39
تهافت التهافت
وأما قول أبي حامد بعد هذا : على أن نقول لهم : إنه لا يستحيل على أصلكم موجودات حاضرة ، هي آحاد متغايرة بالوصف ، ولا نهاية لها . وهي نفوس الآدميين المفارقة للأبدان بالموت ، فهي موجودات لا توصف بالشفع والوتر ، فبم تنكرون على من يقول : بطلان هذا يعرف ضرورة ، كما ادعيتم بطلان تعلق الإرادة القديمة بالإحداث ضرورة ، وهذا الرأي في النفوس هو الذي اختاره ابن سينا ، ولعله مذهب أرسطوطاليس . فإنه قول في غاية الركاكة . وحاصله : أنه لا ينبغي أن تنكروا قولنا فيما هو ضروري عندكم أنه غير ضروري ، إذ قد تضعون أشياء ممكنة يدعي خصومكم أن امتناعها معلوم بضرورة العقل . أي كما تضعون أشياء ممكنة ، وخصومكم يرون أنها ممتنعة ، كذلك تضعون أنتم أشياء ضرورية ، وخصومكم تدعي أنها ليست بضرورية ، وليس تقدرون في هذا كله أن تأتوا بفصل بين الدعويين . وقد تبين في علم المنطق أن مثل هذه هي معاندة خطابية ضعيفة أو سفسطائية . والجواب في هذا ، أن يقال : إن الذي يدعي أنه معلوم بالضرورة ، هو في نفسه كذلك . والذي تدعون أنتم أن بطلانه معروف بالضرورة ، ليس كما تدعونه . وهذا لا سبيل الفصل فيه ببينة إلا بالذوق ، كما لو ادعى إنسان في قول ما : إنه موزون ، وادعى آخر أنه غير موزون ، لكان البيان في ذلك ذوق الفطرة السليمة الفائقة . وأما وضع نفوس من غير هيولي كثيرة بالعدد فغير معروف من مذهب القوم ( الفلاسفة ) ، لأن سبب الكثرة العددية هي المادة عندهم . وسبب الاتفاق في الكثرة العددية هي الصورة . وإما أن توجد أشياء كثيرة بالعدد ، واحدة بالصورة ، بغير مادة فمحال . وذلك لأنه لا يتميز شخص عن شخص بوصف من الأوصاف إلا بالعرض ، إذ قد كان يوجد مشاركا له في ذلك الوصف غيره . وإنما يفترق الشخص من الشخص من قبل المادة . وأيضا فامتناع ما لا نهاية له على ما هو موجود بالفعل ، أصل معروف من مذهب القوم ( الفلاسفة ) سواء كان أجساما أو غير أجسام . ولا نعرف أحدا فرق بين ما له وضع ، وما ليس له وضع في هذا المعنى إلا ابن سينا فقط . وأما سائر الناس فلا أعلم أحدا منهم قال هذا القول ، ولا يلائم أصلا من أصولهم . فهي